أن نصلي



أن نصلي

قال المسيح: «هَذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ» (مر9: 29). الشيطان الرابض في قلوب الأعداء لن يفارقها إلاّ باتّحادنا في الصلاة وبشركتنا في الصوم. لقد أعطانا المسيح العلاج الأوحد فلِما لا نستخدمه؟!!
العدو يخاف من الصلاة لأنّها تُجرِّده من سلاحه الأوّل؛ أي تصدير الخوف إلى قلوب المسيحيين. مَنْ يُصلِّي لا يخشَى شيئًا. لذا فإنّ مخاوف المسيحي هي ردّة فعل إنسانيّة لا تلبث أن تذوب أمام لهب الصلاة.
هناك فارق بين الخوف العرضي الإنساني الوقتي، وبين الخوف المتوّج ملكًا على الحياة المتشبّثة بالأرض ومن عليها. لا يملكن الخوف بصولجانه على قلب مسيحي يُصلِّي.
لما كنت حرًّا كنت أعمل والصلاة أحيانًا في الخلفيّة.
أمّا في السجن [من أجل المسيح] اكتشفت أنّ الصلاة هي كلّ شيء. إنّها مثل استعمال الطيّار  قائمة المراجعة قبل الإقلاع.
إذا أُغفِلَ البند الأوّل قد تتعرّض حياة الكثيرين للخطر.
البند الأوّل في قائمة مراجعتنا يجب أن يكون دائمًا الصلاة.
إنْ أغفلناها تعرّضت المهمّة كلّها للخطر
أحد المعتقلين من أجل الإيمان في فيتنام
«أَعَلَى أَحَدٍ بَيْنَكُمْ مَشَقَّاتٌ؟ فَلْيُصَلِّ» (يع5: 13). تلك الوصيّة الرسوليّة تضع لنا قاعدة ذهبيّة مختصرة أنّ الصلاة هي دواء المشقّة. ويكمل القديس بولس الصورة بكلمات الروح فيقول: «فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ صَابِرِينَ فِي الضَِّيْقِ مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ» (رو12: 12). إن عكسنا تسلسل الآية نجدها ترسم طريقًا واضحًا للخروج من فوّهة الضيق. فالمواظبة على الصلاة تستجلب لنا نعمة الصبر إن حلّ الضيق، ومن الصبر ينفجر نور الرجاء ليثبّت قلوبنا في الفرح.
لقد عزى البعض ثبات المسيحيين الروس في الهجمات التي طالت الكنيسة طوال فترة الحكم الشيوعي إلى انتظامهم ومواظبتهم على الصلاة قبل أن تحلّ الضيقة ..
إنّنا لن نستطيع أن نصبر على الضيق من جرّاء أنفسنا، ستخور أنفسنا سريعًا أمام ثقل الضيق الحاضر المدفوع بيد الشرير. ستشرخ النفس بجرحٍ يصعب مداواته. جرح النفس سيقودنا إلى الانطواء أو العنف، وكلاهما انتكاسة في حياتنا المسيحيّة المجاهرة المسالمة. ولكن إن دخلنا مخدع الصلاة، جعلنا المواجهة بين المسيح والشيطان لا بيننا وبين الشيطان، وقتها نرى المسيح يعمل من وسط خيوط الشيطان العنكبوتيّة ليرسم خلاصًا لأحبائه. لن نخور لأنّ المسيح هو الحاضر في قلوبنا لامتصاص قسوة الحاضر ولدفعنا بقوة الرجاء. صرخة صلاتنا دائمًا للروح، كما طالب اليونانيين، فيلبس، قديمًا: نريد أن نرى يسوع يعمل لنجدتنا .. نريد أن نرى يسوع يعلن عن ملكه على الجميع .. نريد أن نرى يسوع .. قد يتأخرّ ويأتي في الهزيع الرابع من الليل، ولكنه سيهبنا الصبر، طوال الليل، ليكمّل ضفر إكليل المجد لنا. تأخُّر الربّ هو إعداد للمجد. سنتسلّم الصبر من يده. والصبر اقتناء للنفس وعودة بها إلى ثالوث الحبّ. ومن بين سكينة الصبر المُتجدِّد بمواظبة الصلاة سيشرق شمس البرّ والشفاء على جناحيه. سيشرق، فنرى فيه رجاؤنا. وقتها سنفرح وسنرسل تسابيح الفرح إلى أهل العالم فتصير تسابيحنا كرازة فائقة نابتة من الألم والدماء. قَبْل الهبة، ضيقٌ. وسط الضيق نوهب الصبر إنْ صلّينا. هكذا كانت الكنيسة الأولى؛ «هَؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ مَعَ النِّسَاءِ وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ وَمَعَ إِخْوَتِهِ» (أع1: 14).
مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا،
فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ
كو3: 4
أن نصلي هذا سلاحنا للنصرة …
الصلاة تعالج نفوسنا التي ترزح تحت وطأة الضيق.
الصلاة ترفعنا لنرى الأمور بعين الله الخيّرة.
الصلاة تُجدّد أشجار حياتنا التي قد أصابها العطب ولفحتها رياح الشمال ولوّحتها شمس التجارب.
الصلاة تزيل صدأ علاقتنا بالله وتفتح من جديد قنوات الاتّصال بيننا وبين السماء.
الصلاة تُضمِّد جرح القلب النازف بالخوف.
الصلاة تزيل هموم الغد الرابضة على عقولنا.
الصلاة تُحيي فينا الشعور بسيادة الله على الخليقة.
الصلاة تُذكِّرنا أنّه لاشيء يحدث دون علمه الإلهي،
ولا شيء يحدث يمكنه أن يؤذي أولاده إيذاءً أبديًّا.
ندخل الصلاة بصرخات الخوف ونخرج بترانيم الرجاء
ندخل الصلاة بدموع الليل ونخرج بأفراح النهار
ندخل الصلاة بمشهد العالم الدامي
ونخرج بمشد الربّ يسوع الحاني
ندخل الصلاة مُهدَّدين في حياتنا ونخرج منها ثابتين في أبديّتنا
ندخل الصلاة بأسماء أحبائنا ونخرج بعونٍ لأحبائنا
ندخل الصلاة بجرح الأعداء ونخرج ببركة للأعداء
ندخل الصلاة بغضبٍ من قسوة الأرض
ونخرج بسلامٍ من روعة السماء.
ندخل الصلاة بذواتنا ونخرج بالمُخلِّص ..
بعمانوئيل ..
بالله معنا ..
وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ:
هُوَذَا هَذَا إِلَهُنَا.
انْتَظَرْنَاهُ فَخَلَّصَنَا.
هَذَا هُوَ الرَّبُّ انْتَظَرْنَاهُ.
نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ بِخَلاَصِهِ
 إش25: 9
سارافيم اليرموسي
يناير 2011

الصليب ونار الروح القدس – للقديس يعقوب السروجي




ياسيدي حاولت أن أكون نقياً بدونك فصرت نجساً ،كانت محاولتي كبرياء وصار طلبي للنقاء هاوية العجرفة.. كشفت لنا ياسيدي أن نقاء الجسد يبدأ بنقاء اللسان ونقاء اللسان كامن في الفكر ..والفكر النقي كامن في المحبة ، والمحبة هي الدفة التي تُدير الجسد.. هذه السفينة الصغيرة التي خلقتها لكي أعبر بها بحر العالم.. وبدونك أيها الربان الحكيم سوف نغرق في مستنقع الشرور . أعطني الحكمة لكي لا أُدنس نفسي بالكلام. 
هذه الطيور الجارحة التي تطير في سماء فكري صور شريرة متلاحقة تطاردها نار الروح القدس ..تلاحقها عصا الصليب لكي لاتبني أعشاشها في قلبي. 
أرتمي عند قدميك اللتين رُفعتا بالصليب لكي ترفع عقلي إلي الخلاص بالألم  ، ألم الصليب.. وإن ضاقت نفسي بمرارة تجارب العدو اسكب حلاوة مــــوتك الـمُحي في قلبي لذلك من يهرب من الألم يهرب من الصليب.. يهرب من الله. 


جمال النفس الخاطئة في عين الرب خالقها – للقديس مار يعقوب السروجي






كم أنت حلوة وجميلة أيتها النفس حتي لو كنتِ غارقة في أوحال الخطية لأنه تحت قذارة الشر يري الرب صورته ويشتاق لأن يغسلها، هو يجلس علي كرسي مجده في الأعالي لكي ينظر إليكِ ويتغني أمام الآب بجمالك ، أنتي ميراثه الأبدي ولذلك يطلب من القوات السمائية أن تكف عن التسبيح لكي يسمع الآب صوته وهو يتغني بكرمته التي أخرجها من أرض مصر من العبودية وقادها في تجارب البرية لكي يدربها علي السلوك في طريق المُحبيين .
لاتندهشوا أيها الإخوة اذا قلت أن السموات تكف عن التسبيح عندما يعود خاطئ واحد إلي الله،  لقد أخذنا هذا السر الفائق من الرب نفسه، لأنه يدعو الملائكة لكي تشاركه فرحه... هنا يستر الشاروبيم والسارفيم وجوههم من شدة محبة الله للبشر. وبماذا يتغني الإبن وكيف يبدأ " الهذيذ " إلا بعودة الضال. هنا قد عاد ميراثي إلي... الذي كنت أطلبه يدق الأبواب افتحوا أيها الروؤساء أيها الملوك السماويين قفوا لكي تشاهدوا كيف سيلمع المخلوق من الطين ببهاء الأزل. هنا يتأمل الرب في اشتياق كل دمعة ويجمع هذه الدموع بل يحفظ زفرات كل قلب منكسر... لقد بدأت بذرة المحبة التي غرسها تشرب من ينبوع الدموع ذلك الينبوع الذي يعطيه الروح القدس بوفرة. هنا يجمع الرب كل الأحباء لأن شوقه قد تحقق ..ما كان يراه قبل كون العالم يحدث أمام عينيه. 
كم أنتِ جميلة أيتها النفس في عين الرب خالقك بل في عيني عريسك السمائي في عيني الذي جاد بكل شئ حتي جسده ودمه لكي يغسلك من أدران الخطية... لنقترب أيها الإخوة بكل شوق.  هنا يجب أن نطرح الخوف وأن نقف بثقة في ذاك الذي أحبنا حتي الموت موت الصليب. مات حباً وقام حباً فينا فأي حب أعظم من هذا .

بارك أعدائي يارب

بقلم الأب نيقولاي فليميروفيتش

(1880-1956م)


بارك أعدائي يارب، فأنا أباركهم ولا ألعنهم.

الأعداء نقلوني إلى شرف معانقتك
أكثر مما فعل الأصدقاء.
الأصدقاء ربطوني بالأرض،
أما الأعداء فأطلقوني من الأرض،
وهدموا كل تطلعاتي في العالم.
الأعداء جعلوني غريباً عن الممالك الدنيونية،
وساكناً غريباً عن العالم.
وكما يجد الحيوان المُصطّاد ملجأً أكثر أماناً من الحيوان الطليق،
هكذا أنا أيضاً،
وجدت ملجأً أكثر آماناً بإضطهادي من قبل الأعداء،
وقد أخفيت نفسي تحت خيمتك،
حيثما لا يستطيع الأصدقاء أو الأعداء
أن يقتلوا نفسي.

بارك أعدائي يارب، فأنا أباركهم ولا ألعنهم.

هم قد أعترفوا بذنوبي أمام العالم عوضاً عني.
هم قد عاقبوني، حينما ترددت في معاقبة نفسي.
هم قد عذبوني، حينما حاولت الهروب من العذاب.
هم قد وبخوني، حينما كنت أتملق نفسي.
وبصقوا علي، حينما ملأت نفسي بالتكبر والعجرفة.

بارك أعدائي يارب، فأنا أباركهم ولا ألعنهم.

حينما ظننت نفسي حكيماً، دعوني أحمق.
حينما جعلت من نفسي جباراً،
هزأوا بي كما لو أني قزم.
حينما أردت قيادة الناس، دفعوني إلى الخلف.
حينما أسرعت لإغناء نفسي، منعوني بيد من حديد.
حينما ظننت أنني سأنام في سلام، أيقظوني من النوم.
حينما حاولت بناء بيتاً من أجل حياة مديدة هانئة،
هدموه وطردوني منه.
حقاً، قد قطع أعدائي كل إرتباطي بالعالم،
فمددت يدي نحو طرف ثوبك.

بارك أعدائي يارب، فأنا أباركهم ولا ألعنهم.

باركهم وأكثرهم،
أكثرهم وأجعلهم حتى أكثر مرارة ضدّي.
حتى ما يكون هروبي إليك هروباً نهائياً بلا عودة.
حتى ما يتبعثر كل رجاء في البشر مثل أنسجة العنكبوت،
حتى ما يبدأ هذا الصفاء المطلق بإمتلاك روحي،
حتى ما يصير قلبي قبراً
لتوائمي الشريرين: التكبر والغضب.
حتى ما أجمع وأكدس كل كنوزي في السماء.
آه، حتى ما أتحرر أخيراً من خداع الذات،
الذي يورطني في الشبكة المُخيفة
التي للحياة الخادعة.
الأعداء علموني الشيء الذي لا يتعلمه
أي أحد بسهولة،
وهو أن الشخص في العالم
ليس له أعداء سوى نفسه.
الشخص يكره أعداءه فقط عندما يُخفق في إدراك
أنهم ليسوا أعداء بل أصدقاء قساة.
أنه حقاً صعب بالنسبة لي أن أقول من أحسن إليَّ أكثر
ومن أضرّني أكثر في هذا العالم: الأصدقاء أم الأعداء.
لذلك بارك يارب كلاهما: أصدقائي وأعدائي.
العبد يلعن الأعداء لأنه لا يفهم،
أما الابن فيباركهم لأنه يفهم.
لأن الابن يعلم يقيناً أن أعداءه لا يستطيعون
أن يمسوا حياته.
لذلك فهو يخطو بحرية في وسطهم،

ويصلي لله من اجلهم.

Reference: Prayers by the Lake by Bishop Nikolai Velimirovich, published by the Serbian Orthodox Metropolitanate of New Gracanica, 1999.

ترجمة المدونة الآبائية : http://erinipasy.blogspot.com/


(القديس نيقولاي فليميروفيتش أسقف صربي تكلم بشجاعة ضد النازية فأعتقل في وقت الحرب العالمية الثانية، له كتابات أرثوذكسية عديدة، وقد أعلنت قداسته من قبل الكنيسة الأرثوذكسية الصربية عام 2003م)

من أجل حب الله ـ القديس اسحق السرياني






من أجل حب الله ـ القديس اسحق السرياني


كل إنسانٍ تدبيرُه رديءٌ حياةُ هذا العالمِ عنده شهيةٌ, ويَلي ذلك قليلُ المعرفةِ. حقاً لقد قيل إن مخافةَ الموتِ ترُعب الرجلَ الناقصَ، أما الذي له في نفسِه شهادةٌ صالحةٌ فإنه يشتهي الموتَ كالحياةِ. لا يُعتبر عندك حكيماً ذاك الذي من أجلِ حياةِ هذا العالمِ يستعبدُه فكرُه للأرضيات. كلُّ الملذاتِ والشرور التي تعرضُ للجسدِ لتكن عندك شبهَ الأحلامِ، لأنه ليس بموتِ الجسدِ فقط تنحلُّ منها بل كثيراً ما يمكنك رفضها والهروب منها قبل الموتِ. فإن كان لك منها شيءٌ مشتركٌ في نفسِك فاعلم أنه مكنوزٌ لك إلى الأبدِك لأنها تذهبُ معك إلى العالمِ العتيد فإن كان ما اكتنزتَه من الطالحاتِ الرديئاتِ فاحزن وتنهد واطلب الابتعادَ عنها ما دمتَ في الجسدِ. ليكن معلوماً عندك أن كلَّ خيرٍ لن يكونَ مقبولاً إلا إذا عُمل في الخفاءِ. بالحقيقةِ إن المعموديةَ والإيمانَ هما أساسُ كلِّ خيرٍ، فبهما دُعيتَ ليسوعَ المسيحِ بالأعمالِ الصالحةِ. شُكر الذي يأخذُ يحرِّكُ الذي يعطي إلى بذلِ العطايا التي هي أعظمُ من الأوائل. مَن لا يشكرُ على القليلِ فهو كاذبٌ وظالمٌ إن قال إنه يشكرُ على الكثيرِ.
المريضُ الذي يعترفُ بمرضِهِ شفاؤه هين. كذلك الذي يُقرُّ بأوجاعِه فهو قريبٌ من البَرْءِ. أما القلبُ القاسي فتكثُر أوجاعُه. والمريضُ الذي يُخالفُ الطبيبَ يَزيدُ عذابُه. ليست خطيةٌ بلا مغفرةٍ إلا التي بلا توبة. وليست موهبةٌ بلا نموٍ وازديادٍ إلا التي ينقصها الشكرُ. الجاهلُ جزاؤه دائماً في عينيه صغيرٌ. تذكَّر الذين هم أعلى منك في الصلاحِ كي ما تَحسب نفسَك ناقصاً بالنسبةِ لهم. تأمَّل دائماً في البلايا الصعبةِ وفي الذين هم في شدةٍ ومذلَّةٍ، وبهذا التأمُّل يمكنك أن تقدمَ الشكرَ إزاء البلايا الصغيرةِ التي تنتابُك، وحينئذ تستطيع أن تصبرَ عليها بفرحٍ. في الوقتِ الذي تكون مغلوباً مقهوراً وفي مللٍ وكسلٍ، وقد قيَّدك عدوك بسماجةِ فعلِ الخطيةِ، اذكر الأوقات القديمة التي فيها تنشطَّت، وكيف كنتَ مهتماً حتى بصغائرِ الأمورِ، وكيف كنتَ تتحرك بالغيرةِ على الذين يعوِّقون مصيرَك. وتنهَّد على أقلِ شيءٍ فاتك من عملِ الفضائلِ. وكذلك اذكر كيف كنتَ تحظى بإكليلِ الغلبةِ على الأعداءِ. فبمثل هذه التذكارات تتيقَّظ نفسُك كمثلِ مَن في نومٍ عميقٍ وتلبس حرارةَ الغيرةِ. وكمثل مَن في الموتِ تقومُ النفسُ من سقطتِها وتصلب ذاتَها كي تعودَ إلى طقسِها الأول بالجهادِ الحارِ قبالةِ الشيطانِ والخطيةِ. اذكر كيف سقطَ الأقوياءُ لكي ما تتَّضع بصلاحِك. اذكر عِظمَ خطايا القدماءِ الذين سقطوا ثم تابوا ومقدار الشرف والكرامة اللذين نالوهما من التوبةِ بعد ذلك لكي ما تتعزى في توبتِك. كن مضيِّقاً على نفسِك ومحزناً لها لكي ما يُطرد العدو من أمامِك. اصطلح أنت مع نفسِك فتصطلح معك السماءُ والأرضُ.
محبُ الصلاحِ هو الذي يحتملُ البلايا بفرحٍ. استر على الخاطئ من غير أن تَنْفِر منه لكي ما تحملك رحمةُ الربِّ. اسند الضعفاء وعزِّ صغيري النفوس كي ما تسندَك اليمينُ التي تحملُ الكلَّ. شارك الحزانى بتوجعِ قلبِك كي يُفتح بابُ الرحمةِ لصلاتِك. دع الصغارَ تنال الكبارَ. كن ميتاً بالحياةِ لا حياً بالموتِ. لا تطلب الأمورَ الحقيرةَ من العظيمِ القادرِ على كلِّ شيءٍ لئلا تهينَه. اسأل المواهبَ الكريمةَ من الله فيُنعم عليك بها. لقد سأل سليمان من الله الحكمةَ فأعطاه معها الغنى ودوامَ السلامةِ، وسأل إسرائيل الحقيرات فرُذل لأنه ترك تمجيدَ عجائبِ الله وطلب شهوةَ بطنِهِ، وإذ الطعامُ في أفواهِهم أتى رِجزُ الله عليهم كما هو مكتوبٌ. اطلب من الله ما يلائم مجدَه لتكونَ كريماً عنده، ولا تسأل الأرضيات من السمائي فقد كُتب اطلبوا ملكوتَ الله وبرَّه وهذا كلُّه تزدادونه. لا تسأل أن تجري الأمورُ حسب هواك لأنه أعرف منك بالأصلحِ لك. لا تكره الشدائدَ فباحتمالها تنال الكرامةَ وبها تقترب إلى الله، لأن النياحَ الإلهي كائنٌ داخلها. قبل البلايا يُصلِّي الإنسانُ للهِ كغريبٍ، فإذا قبِلها من أجلِ حبِ الله، حينئذ يصيرُ من أحبائِه وخواصهِ المحاربين لعدوه حباً في رضاه، ويُصبح كمن وجب حقهُ عليه.
توكَّل على اللهِ وسلِّم نفسَك له وادخل من البابِ الضيقِ وسِر في الطريقِ الكربةِ. فذاك الذي كان مع يوسف ونجاه من الزانيةِ وجعله شاهداً للعفةِ، والذي كان مع دانيال في الجبِّ ونجاه من الأسودِ، والذي كان مع الفتيةِ ونجاهم من أتونِ النارِ، والذي كان مع إرميا وأصعده من جبِّ الحمأةِ، والذي كان مع بطرس وأخرجه من السجنِ، والذي كان مع بولس وخلَّصه من مجامعِ اليهودِ… وبالجملةِ فإن الذي كان في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ مع عبيدِهِ في شدائدهم ونجاهم وأظهرَ فيهم قوَّته، هو يكونُ معك ويحفظك. فخذ لك يا حبيب غيرةَ الأنبياءِ والرسلِ والشهداءِ والقديسين قبالة الأعداءِ الخفيين، واقتنِ غيرةَ الذين ثبتوا قائمين في النواميسِ الإلهية، فطرحوا الدنيا وأجسادَهم إلى ورائهم وتمسكوا بالحقِّ فلم يُهزموا في الشدائدِ التي انتابتهم في أنفسِهم وأجسادِهم، إذ فازوا بالقوةِ الإلهية وكُتبوا في سفرِ الحياةِ، وأُعدت لهم ملكوتُ السماوات التي نؤهَّل لها كلُّنا برأفتِهِ وتحننهِ تعالى. له المجد إلى الأبد، آمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخلع جلدك القديم _القديس كيرلس الأورشليمي




اخلع جلدك القديم _ كيرلس الأورشليمي


كان هذا الرجل (يوحنا المعمدان) يعمد في الأردن فخرجت كل أورشليم (مت 3: 5) لتتمتع ببكورات العماد ... تعلموا يا سكان أورشليم كيف كان يعمد الخارجين إليه، "المعترفين بخطاياهم" (مت 3: 6). لقد كانوا يكشفون له جراحاتهم، ويقدم لهم العلاج، فيخلص الذين يؤمنون من النار الأبدية. وإن أردت فحص هذه النقطة، أي أن عماد يوحنا يخلصهم من التهديد بالنار، اسمعوا قوله:


"يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي" (مت 3: 7).

لا تكن بعد أفعى.

فإذ لك جلد أفعى قديم، أي حياتك الماضية، اخلعه عنك. 

لأن كل أفعى تزحف في جحر وتتخلص من جلدها القديم، وبهذا يتجدد شباب جسدها. هكذا ادخل أنت أيضًا من الطريق الكرب الضيق (مت 7: 13-14)، واخلع القديم بالأصوام، واترك ذاك الذي يهلكك.

اخلع الإنسان العتيق مع أعماله (كو 3: 9.). وقل مع نشيد الأناشيد: "قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟!"[6].

لكن ربما يكون فيكم مرائي أو من يُحب إرضاء الناس، ومن يتظاهر بالتقوى دون أن يكون له إيمان القلب، فيكون له رياء سيمون الساحر، فيأتي لا ليتقبل النعمة بل ليتجسس على ما يُعطى هنا. ليته يتعلم أيضًا من يوحنا "الآن قد وُضعت الفأس علي أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا، تُقطع وتلقى في النار" (مت 3: 10).

إن الديّان لا يتهاون، اخلع عنك الرياء!

إذن ماذا يليق بكم أن تفعلوا؟! وما هي ثمار التوبة؟
"من له ثوبان فليعطِ من ليس له" (لو 3: 11). 
المعلم (يوحنا) بهذا مستحق للثناء، إذ مارس بنفسه ما علَّم به. لهذا لم يخجل من أن ينطق بهذا، إذ ضميره لم يخالف لسانه.
"ومن له طعام فليفعل هكذا".
أتريد أن تتمتع بنعمة الروح القدس، ومع ذلك تحكم بأن الفقير غير مستحق للطعام المادي؟! أتطلب الخيرات العظيمة وأنت لا تجود بالخيرات البسيطة؟!
حتى إن كنت عشارًا أو زانيًا ترجَ الخلاص، فإن العشارين والزناة يسبقونكم إلى ملكوت الله (مت 21: 31). لقد شهد بولس بذلك قائلاً: "لا زناة ولا فاسقون... يرثون ملكوت الله، وهكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم بل تقدستم" (1 كو 6: 9-11). إنه لم يقل "هكذا فيكم أناس" بل "كان أناس منكم". إذ الخطية المرتكبة بجهل يُعفي عنها، أما عناد الشرير فيُدان عنه.


المرجع: عظات الموعوظين للقديس كيرلس الأورشليمي، ترجمة القمص تادرس يعقوب ملطي. 

لا تكن جاهلا في طلباتك ـ القديس اسحق السرياني

لا تكن جاهلا في طلباتك ـ القديس اسحق السرياني

لا تكن جاهلا في طلباتك التي تقدمها لله, لئلا تهين الله بجهالتك.
تصرف بحكمة في الصلاة لكي تؤهل للأشياء المجيدة.
اطلب الأمور الكريمة من الذي لا يمنع, لكي تنال من عنده الكرامة من أجل حسن اختيار مشيئتك الحكيمة.
واحرص أن تصلي كي تستحق النعمة.
لقد سألها (الحكمة) سليمان الحكيم فنال معها أيضا مُلكا أرضيا,
لأنه عرف كيف يسأل بحكمة من الملك السمائي,
اذ أنه سأل من أجل الأمور الهامة.
واليشع طلب نصيب اثنين من عطية الروح التي عند معلمه, ولم تُمنع عنه طلبته.

ومن جهة أخري فان من يطلب الحقيرات من الملك يستهين بكرامته.
طلب اسرائيل أمورا حقيرة فنال غضب الله,
لأنه اذ أهمل التعجب من أعمال الله وعظم أفعاله الرهيبة طلب أشياء لملء شهوة البطن.
وبينما الطعام بعد في أفواههم صعد عليهم غضب الله.
قدم أنت طلبتك لله بما يليق بمجده, فيعظم كرامتك عنده ويفرح بك.
ولو أن شخصا طلب من ملك بشري ملء كيل زبلا,
فهو لا يكون قد حقر نفسه بحماقته فحسب,
بل يكون قد أهان الملك أيضا بسبب دناءة طلبه.
هكذا يكون حال من يطلب الجسدانيات من الله في صلاته. 
(*)
وان تأخر الله في استجابة طلبتك, حيث تطلب ولا تأخذ بسرعة, فلا تحزن,
لأنك لست أحكم من الله.
فان بقيت علي الحال الذي كنت عليه قبلا دون أن يحدث شيئا فهذا يكون:
اما لأن سيرتك ليست أهلا لنوال ما طلبته,
أو أن الطرق التي يسلك فيها قلبك هي بعيدة من هدف صلاتك,
أو لأن منزلتك الداخلية مازالت علي مستوي الطفولية اذا قورنت بعظمة الشئ الذي طلبته.

ليس من اللائق أن تقع الأشياء العظيمة في أيدينا بسهولة,
لئلا تحتقر موهبة الله عند سهولة الحصول عليها.
فكل شئ يوجد بسهولة يزول أيضا بسهولة.
أما ما يوجد بعد تعب كثير فهو يُحفظ بالسهر.
تنسك عن كل المغريات التي تتألق أمام عينيك لتستحق الفرح الروحي.
ان كان تدبيرك لا يليق لدي الله فلا تطلب منه الأمور المجيدة لئلا تكون كمن يجرب الله.
فالصلاة تطابق بشدة السلوك.

إلي متي أظل ثملاً _ صلاة للأب أشعياء الإسقيطي



  إلى متى أظل ثملاً دون أن أشرب خمراً ؛ فلا أبالي بما هو أمامي ؟ إن قساوة قلبي قد أضعفت عيناي ؛ سكر همومي أثقل رأسي ؛ وشرود ذهني جعلني أنسى 

حتى ساعة الظلمات . احتياجات الجسد قيدتني واليأس دفعني إلى أن أترك الطريق .
    لم يعد لي من صديق يتكلم من أجلي ؛ وليست لي هدية أتوجه بِها لرجال 
المدينة . خبر سيئاتي يمنعهم من أن يتعرفوا عليَّ ؛ إن توسلت إليهم لا يلتفتون 
إليَّ ؛ لأنَهم يرونني أنني لم أتوقف بعد عن فعل الشرور ؛ وأنني لستُ أتوسل إليهم 
بقلب مستقيم .

   أشواك خطاياي لم ينجرح لها قلبي بعد على الدوام ؛ ثقل تعدياتي لم أشعر بعد 
أنه يرهقني ؛ إلى الآن لم اعرف تمام قوة النار لكي أصارع كي لا أسقط فيها ؛ 
إن صوتاً واحداً يتردد في أذنيَّ : العذاب هو مصيري لأنني حقاً إلى الآن ما 
طهَّرت قلبي .
    المريض الذي يقاوم الطبيب :

  قد قاحت جراحاتي في جسدي لكن نتانتها لم تقنعني بعد أن أطلب دواء . 
أخفي عن الناس الجراحات التي أصابتني بِها سهام العدو ؛ ولا أقوى أن أحتمل 
حتى ينزعها الطبيب مني ؛ هو يشير عليَّ بضمادات أضعها على جروحي ؛
ولكن ليست لديَّ شجاعة كافية لأحتمل آلامها الحارقة .

   الطبيب الصالح لا يطالبني بأتعابه ؛ لكن كسلي لا يسمح لي أن أذهب 
لأستشيره ؛ يأتي بنفسه إليَّ ليتعهدني ؛ فيجدني أستعمل أطعمة تزيد من تقيح 
جروحي ؛ يناشدني ألا أستعملها فيما بعد ؛ ولكن توبتي ليست صادقة ؛ يُرسل 
إليَّ أطعمته ويقول لي : كل منها لكي تشفى . لكن عاداتي الشريرة لا تدعني 
أتعاطاها .
    أخيراً فإنني لستُ اعرف ماذا افعل ؟
   فأبكوا جميعاً معي يا إخوتي ومعارفي ؛ لكي تدركني معونة أعظم كثيراً مني ؛ 
وتملك فيَّ ؛ لتجعلني مستحقاً أن أكون له تلميذاً ؛ ذاك الذي له القوة إلى دهر 
الدهور . آمين .

رؤيا – القديس متاؤس الفاخوري

رؤيا – القديس متاؤس الفاخوري





رأيت الأنبا انطونيوس والأنبا مكاريوس والأنبا باخوميوس والأنبا شنودة رئيس المتوحدين ينادون ويقولون لي: “تعال الينا”, فقمت ومشيت معهم الي أن وصلت الي مكان ودخلت فيه معهم, ووجدت جمعا كثيرا مهيب المنظر جدا, وقد أتوا ليسلموا علي, ولما سلموا علي قالوا لي: “مرحبا بقدومك الينا, هوذا اليوم تجئ وتسكن عندنا في فردوس الأبرار”, ثم رأيت حصنا عظيما منيعا وبابه عاليا جدا وهو مُرصع بالجواهر الكريمة والذهب, فلما وصلت للباب سمعت صوتا يقول:“افتحوا باب الدار ليدخل متاؤس”.
اما انا فلما سمعت هذا الكلام تخوفت, ثم دخلت وأنا بخوف شديد ورعدة عظيمة, فرأيت ساحات عظيمة حتي ظننت ان كل ساحة تساوي ميلين أو ثلاثة في الطول, ثم رأيت كراسي متلاصقة بعضها ببعض وجماعة عظيمة من الرهبان جالسين عليها وهم منيرون جدا, أما أنا فقلت للذين يسيرون معي: “يا ساداتي من هم الجالسون علي هذه الكراسي العظيمة ؟”, فقالوا لي: “هؤلاء الذين تراهم هم آباء الاسكيم المقدس وآباء الرهبان, كل واحد منهم جالسا وسط أولاده اللابسين اسكيم الرهبنة الملائكي”, ثم قالوا لي: “انظر الي هؤلاء الاربعة النورانيين, انهم القديس انطونيوس أب جميع الرهبان, والقديس مكاريوس الكبير أب جبل شيهيت, والقديس الأنبا باخوميوس أب الشركة, والرابع هو القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين”.
بعد ذلك أخذوني وأقاموني قدامهم بخوف عظيم, فتقدمت وسجدت قدامهم, فقال لي واحد منهم وكان بيده منشور: “يا متاؤس”, فقلت: “نعم يا أبي وسيدي”, فقال لي:“قم مسرعا وامض الي ديرك لأنهم سوف يسألونك عنه وعن أولادك الرهبان الذين في الدير وعن كل أفعالهم وعن صلواتهم التي يقدمونها لله, وبالأكثر عن الصدقة التي يوزعونها علي باب الدير, لأن عندهم في ذلك توان وكسل, واعلم ان هذا مطلوب منك في اليوم السابع من شهر كيهك”, وكانت هذه الرؤيا في اليوم الثالث منه.
أما أنا يا أولادي فلما استيقظت من الرؤيا
جمعتكم الي هنا لأقص عليكم ما رأيت
والآن يا أولادي الأحباء
عيشوا مع بعضكم في محبة
لأني ماض الي الله
وأقرئكم السلام باسم يسوع المسيح
لأني بعد ثلاثة ايام انتقل من هذا العالم الزائل
واني استودعكم بسلام الرب الاله صاحب كنوز الرحمة
واسأله أن يحفظكم بملائكته من تجارب العدو
انتم وكل المجمع المقدس الطاهر
وأوصيكم بالمحبة بعضكم لبعض
وواظبوا علي الصدقة والرحمة علي المتضايقين
وكونوا ساهرين في الطلبة الي الله عن اخوتكم المؤمنين الذين في العالم
وكونوا مهتمين أن ترضوا الرب كل حين
…… أرجو من الرب أن يسامحني …… 

عجيباً مشيراً _ نيقولا فليميروفيتش




"لانه يولد لنا ولد، ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً (ملاك 

المشورة العظمى) إلها قديراً أباً أبدياً رئيس السلام" (إش 9)

إلى مَن مِن البشر المائتين في تاريخ البشرية تنطبق عليه كل هذه الألقاب، وكل هذا السلطان، وكل هذا المجد؟

ليس هناك شخص واحد. 

لهذا يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "من المستحيل أن نفهم كل هذا بشأن أي إنسان آخر، بل فقط بالإشارة إلى السيد المسيح". 

النبي هنا يُعبر بكل وضوح عن الطبيعتين (المتحدتين) في شخص المسيح مُخلص العالم: الناسوتية واللاهوتية. 

"يولد لنا ولد" تُعبر عن طبيعته الإنسانية.

"نُعطى إبناً" هذا التعبير يوَّحد الطبيعتين في شخص واحد، ابن الله وابن العذراء في شخص الرب المتجسد. 

غير أن بقية الألقاب تُشير إلى الطبيعة الإلهية في الرب يسوع. 

"تكون الرياسة على كتفه"، أي أن الرياسة والسلطة تخصه. فالرياسة تخصه شخصياً وليست مُقترضه أو مُستعارة من آخر. 

"مشيراً قديراً"، أليس هذا هو الثالوث الأقدس؟ والملاك أو الرسول أو البشير (الناطق) لهذا 

المشير الثالوثي هو ابن الله، كلمة الله الأزلي. 

"عجيباً مشيراً"، لأن كل ما هو رائع، وكل ما هو مُدهش وعجيب، وكل ما هو جديد 

مُنح للبشرية، هو منه ومن خلاله. 

"إلهاً قديراً"، ماذا يمكن أن يقول آريوس وأتباعه الجُدد الذين ينكرون ألوهية الرب يسوع في هذا اللقب؟

"أمير السلام"، إذ أنه منه السلام الدائم، وبدونه الحرب الخارجية والداخلية. 

"أباً أبدياً"، (أب الأزمنة المستقبلية)، فكما أنه هو رب الماضي، هو أيضاً رب المستقبل. علاوة على ذلك، هو أب الكنيسة وخارج العالم الجديد، ومؤسس ملكوت الله. 

لقد رأى إشعيا ابن آموص هذه الرؤية الرائعة والحقيقية قبل نحو سبعمائة سنة من إعلانها للعالم بأسره. 

أيها الرب يسوع، أنت للأنبياء النبوة الأعظم مجداً، وللمؤمنين الكشف الأعظم مجداً. أفتح أذهاننا حتى يدخل إليها مجد جلالك العجيب، وأفتح قلوبنا حتى يمتلئ بمحبتك الباعثة للحياة. لأن لك المجد والحمد إلى الأبد آمين.


وحيدة في العيد _ نيقولا فيليميروفيتش





أنت تشكين من الوحدة في المدينة الكبيرة: بالرغم من كثرة الناس حولك كما في خلية النحل فأنت تشعرين وكأنك في البرّية. وأيام الأعياد هي الأكثر صعوبة، كل شيء من حولك يتلألأ فرحاً، أمّا قلبك فيعتصره الغمّ والحسرة. أعياد الميلاد والفصح بالنسبة لك هما مثل الوعاء الفارغ الذي تملئينه بالدموع. بعد انتهاء العيد وفي الأيام العادية أنت تكونين أكثر هدوءاً، ولكن كلما اقترب العيد القادم وأجواؤه التحضيرية كلما امتلأت نفسك حسرة وفراغاً.

بماذا أساعدك؟ سأروي لك قصّة عن عيد الميلاد كنت قد سمعتها من الأخت يوفانكا، فقد تعينك هذه القصّة. 

سأرويها لك على لسانها كما روتها هي لي:

ها أنا أعيش وحيدة لأكثر من أربعين سنة، لم أعرف في حياتي طعم الفرح إلا في سنوات طفولتي في بيت أهلي. ولكن لم يرَني أحد حزينة، فأنا كنت أظهر أمام الناس دائماً مرحة وفرحة ولكن عندما كنت أبقى وحدي كنت أجهش بالبكاء. الجميع كانوا يظنونني سعيدة لأنهم لم يروني في حالة أخرى. كنت أستمع من الناس المحيطين بي الشكاوي: من المتزوّجين ومن العُزّاب ومن الفقراء والأغنياء، من الجميع. وكنت أفكر وأقول لنفسي: لماذا أشتكي أنا تعاستي للتعساء وأزيد الأحزان من حولي؟ من الأفضل أن أظهر مرحة، لعلّني أقدّم فائدة أكثر لهذا العالم الحزين من حولي، وسأخفي سرّي عن الناس وسأبكي لوحدي في الخفاء.

صلّيت لله لكي يُظهر ذاته لي، لكي يعطيني ولو علامة صغيرة "بإصبعه"، صليت من أجل أن لا أهلك في حزني الخفيّ. كنت أصنع صدقات من كل دخلٍ يأتيني، كنت أزور المرضى والفقراء وكنت بمظهري المرح أجلب لهم الفرح. كنت أقول دائماً: "أنا أؤمن بك يا إلهي الخيّر ولكن أرجوك بأن تظهر لي كما تريد أنت لكي يتقوّى إيماني. أؤمن يا رب فأعنْ عدم إيماني". وكنت أكرّر هذه الصلاة الإنجيلية، وبالفعل ظهر لي الربّ.

كان حزني وغمّي يزداد في الأعياد الكبيرة خاصّة، فبعد القداس الإلهي كنت أعود إلى البيت وأغلق على نفسي وأبكي طوال اليوم، في عيد الميلاد كما في عيد الفصح.

ولكن في عيد الميلاد الماضي ظهر لي الرب، وكان هذا كالتالي:

اقترب يوم العيد وقرّرت أن أحضّر للعيد كل شيء كنت قد تعلمته من أمّي. ففرشت أرض البيت بالقش ووضعت في كل زاوية في البيت ثلاث حبّات من الجوز من أجل أن تكون رحمة الثالوث القدّوس في أطراف الأرض الأربعة. وكنت أثناء تحضيري للعيد أصلي بلا انقطاع : "يا ربّ أرسلْ لي في العيد ضيوفاً ولكن ليكونوا فقراء جداً وجوعى، أرجوك يا رب إظهر لي على هيئة فقراء مُعدمين".

في بعض الأحيان كان يأتيني هاجس: "أيتها المجنونة يوفانكا، أي ضيوف تنتظرين في عيد الميلاد! هذا يوم مقدّس والجميع يستقبلونه في بيوتهم ومع ذويهم، فمن الذي سيزورك؟" ومن جديد كنت أبكي وأبكي، وأردّد الصلاة، وأحضّر الطعام، وأبكي.

وعندما رجعت من الكنيسة بعد نهاية قداس الميلاد دخلت البيت وأشعلت شمعة ووضعت على المائدة أصناف الطعام وحلوى الضيافة وأخذت أمشي في البيت جيئةً وذهاباً. كنت أصلي: "يا ربي لا تتركني".

لكن الشارع كان فارغاً من الناس... عيد الميلاد! شارعنا كان بلا مارّة.

فجأة... صوت صرير الثلج تحت الأقدام، فركضت نحو الباب!

لعلّ هذا هو ضيفي. لا، مضى عابراً.

صار الوقت ظهراً وأنا وحدي، وصرت أبكي وأقول: "الآن أرى يا ربي بأنك قد تركتني". وكنت أنتحب وأبكي، وفجأة! ... فجأة هناك من يقرع الباب، وسمعت صوتاً مبحوحاً من أثر الدموع يقول: "أعطِ حسنة يا أخ! أعطِ حسنة يا أخت!. قفزت مسرعة نحو الباب وفتحته. كان على الباب رجل أعمى واقفاً مع دليله وكانا كليهما يلبسان أسمالاً مهلهلة ويرتجفان.

فهتفتُ بفرح: "ولد المسيح يا إخوتي!"

فأجاباني متأثّرين: "حقاً ولد! تحنني علينا يا أختاه! نحن لا نطلب مالاً، منذ الصباح لم يُعطنا أحد كسرة خبز، فقط بعض النقود والقليل من شراب الرّاكيا، أما خبزاً فلم يعطنا أحد ونحن جوعى جداً."

لقد كنت حينها وكأني في السماء، أدخلتهما إلى البيت وأجلستهما على المائدة وصرت أخدمهما وكنت أبكي من الفرح.

فسألاني مندهشيْن: "لماذا تبكين يا أختاه؟"

فأجبتهما: " أبكي من الفرح يا إخوة، من الفرح النقي والمشرق! لقد أعطاني الرب ما كنت قد طلبت منه، ها أنا منذ عدة أيام أصلي إليه ليرسل لي ضيوفاً مثلكم، وها هو قد أرسل. أنتما لم تأتيا هكذا ببساطة إليّ إنما أرسلكما إليّ الرب الصالح، والرب بنفسه ظهر لي اليوم معكما. هذا أسعد عيد ميلاد في حياتي، والآن أعرف: "بأنّ إلهنا حيّ!". فأجاب ضيفيّ: "المجد والشكر له! آمين". فأبقيتهما عندي إلى المساء ثم ملأت أكياسهما بالأطعمة وودّعتهما.

هكذا كان عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح بالنسبة ليوفانكا، ليعطها الرب في هذا العام عيداً أكثر فرحاً.

فصلّي أنت أيضاً يا ابنتي من أجل أن يَظهر لك الآب السماوي، فعنده مراحم كثيرة، وستكون لك أنت أيضاً أعجوبة.

أعدّي نفسك للفرح في هذا اليوم المقدّس ولا تعدّي نفسك للحزن.

وإلهنا العارف الكل وأبو المراحم سيصنع لك الفرح.
                                                            
                                                   (المصدر مدونة آبائية )